رؤية تحليلية يقدمها
الكاتب الصحفى
سعيد الخولى
هل كان السادات رحمه الله محقا عندما قال إن حرب أكتوبر هي آخر الحروب؟
السؤال بهذه الصيغة قد لايفى بالغرض فالأحداث منذ مابعد اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية التي انتهت باستعادة مصر آخر حبة من رمل سيناء ـ تنفى هذه المقولة إذا ما أخذناها على التعميم وقلنا إن حرب أكتوبر هي آخر الحروب بين العرب وإسرائيل ،فقد استمر الصراع والمواجهات والاشتباكات العسكرية بين إسرائيل وأطراف عربية أخرى ولكنها لم تصل إلى حد الحرب إلا مايجرى حاليا في غزة .لكن يثور سؤال آخر وماذا عن هذه الجبهة المشتعلة لو قبل الفلسطينيون بمحادثات السلام مع إسرائيل التي دعاهم إليها السادات في فندق ميناهاوس ديسمبر 1977 وتوصلوا لاتفاقية سلام كالتى أبرمتها مصر؟وهل كانت الحرب الحالية سوف تنشب برغم مثل هذه الاتفاقية؟
والواقع أن الإجابة عن هذا السؤال أراها تميل إلى جانب حتمية حدوث مثل تلك المواجهة أو الحرب لأن إسرائيل تبحث عن هدف محدد وتسعى إلى تحقيقه بشكل مرحلى، كل مافى الأمر أن مباحثات أو مؤتمر مينا هاوس كان سيرسخ لوجود دولة فلسطينية فشل عرفات في التوصل إليها في اتفاق أوسلو لأنه ذهب إلى هناك بعد ضعف تأثير وزخم انتصار أكتوبر1973،رغم رغبته السابقة في حضور مؤتمر ميناهاوس وإبلاغ السادات بالموافقة على الحضور،لكنه أجبر على عدم الحضور تحت تهديد بقية الفصائل الفلسطينية المسلحة باغتياله لو ذهب إلى مينا هاوس.
ونعود إلى الجانب الإسرائيلي وما ذهبنا إليه من أنه يحمل هدفا معينا كان سيكسر أي اتفاق سلام بعد حين بحثا عن تحقيق وعد إنجليزى ثان بعد تحقيق وعد بلفور بإنشاء إسرائيل عام 1948
،وكان ذلك الوعد يخص أرض الحلم”سيناء”،وهو مابدا واضحا من محاولات مستميتة لتهجير الفلسطينيين من غزة بعد طوفان الأقصى منذ يوم 7أكتوبر الماضى،وهو أيضا ماتنبهت له القيادة المصرية وعملت جهدها على إفشاله بشتى الطرق السياسية والدبلوماسية،لأنها تعلم يقينا بذلك الحلم الذى يراود أحلام الصهاينة،ولو عدنا لمراجعة الأوراق لأدركنا حقيقة هذا الحلم والوعد الإنجليزى الوقح في أحلامهم. ولنراجع معا مثلا ما كتب منذ قرابة 94 عاما:
فى عدد شهرأمشير/فبراير1929كتب المفكرالمصرى (عمرعنايت) دراسة مهمة جدًا عن أطماع إسرائيل فى سيناء..وبدعم وتأييد بريطانيا..وفى العدد التالى برمهات/ مارس1929كتب الأستاذ (عبدالحكيم الجهنى) دراسة أيــّـد فيها عمر عنايت..وأضاف الجهنى بعض المعلومات عن المخطط الصهيونى، مثل اقتراح مستر(ود جوود) العضوبمجلس العموم البريطانى الذى طلب فيه من مصر(أنْ تتنازل عن شبه جزيرة سيناء لفلسطين) ـ وهى دعوة صرنا نسمعها علنا بعد أن كانت سرا يـُردّدها سياسيون وعسكريون وكتاب إسرائيليون منذ سنوات وحتى كتابة هذه السطور) وأشارت نفس االدراسة إلى أنّ اليهود يُرسلون بعض الأساتذة والأحبار إلى طورسينـاء (ليقوموا بتنقيبات عن التركة الموسوية هناك حيث كان التيه..وكان المن والسلوى..وحيث يُـقال أنّ بعض المُهندسين اليهود تمكنوا خلال الحرب العظمى (الأولى) من استكشاف أنّ الجدب فى سيناء ليس إلاّ أكذوبة قارحة..وأنه توجد تحت الطباق الرملية مجارللمياه ومنابـع للخصوبة) وذكرأهمية الموقع الجغرافى لفلسطين..وإمكانية إقامة مشروعات صناعية وزراعية بها. ثم أشارإلى المعلومات التى تتناقلها الصحف العالمية عن خطط اليهود فى المنطقة مثل (مشروع روتنبرج) الكهربائى العظيم ومشروع البحرالميت الزاخر..ومشروع ميناء حيفا..واقتراح بإنشاء قناة جديدة تــُـقرّب قناة السويس بين البحرالأبيض المتوسط وخليج العقبة)) .
وبعد العدوان الثلاثى
وإذا كان هذا الكلام عام1929، فإنه تجـدّد فى عام1956عقب العدوان الثلاثى على مصر، بعد تأميم قناة السويس..وفى بادرة مهمة نشرتْ (صحيفة الأهرام- عدد 28 إبريل2020- على مساحة صفحة كاملة) الوثائق البريطانية (السرية) عن إهداء سيناء لإسرائيل..وأنه فى الفترة بين29 أكتوبرحتى11نوفمبر1956بدأتْ الدوائر البرلمانية والسياسية والإعلامية البريطانية، حملة للتشكيك فى سيادة مصرعلى سيناء..والهدف هواقتطاع جزء من سيناء، لخدمة مصالح إسرائيل والغرب..وفى مجلس اللوردات قال اللورد (ريدنج) فى جلسة12ديسمبر56 إنّ مصر(تحتل سيناء منذ نزاع عام)1922..وجاء بعده لورد آخر(سولبيرى) فكتب مقالا فى صحيفة التايمز (عدد6فبراير57) قال فيه بكل صفاقة:(ليس لمصرحق فى سيناء..وأنها لم تكن أرضــًـا مصرية..وإنما كانت جزءًا من فلسطين..وليس من حق مصرأنْ تطالب إسرائيل بالانسحاب من سيناء، لأنّ إسرائيل لم تحتل أرضــًـا مصرية.)
وفى محاولة للتظاهربالموضوعية، قالت وزارة الخارجية البريطانية: لقد تـمّ فحص مشروع أحقية إسرائيل فى سيناء ((فحصـًـا عميقــًـا)) وبعد الدراسة الدقيقة، توصلنا إلى نتيجة مدروسة، بأنّ ((مصرلديها الآن (ادّعاءً) بالسيادة على سيناء. وهوإدّعاء ((من المؤكد أنه سيتم تأكيده فى أى محكمة دولية..ولذلك فليس لدينا موقف يسمح لنا بتبنى وجهة نظرمعاكسة..وليس لدينا أى أمل حقيقى فى النجاح، وبدون أنْ نضع أنفسنا فى موقف نبدو فيه: إما أغبياء أونريد الانتقام من تأميم القناة.
وفى أوائل عام1957طرح عدد من السياسيين والباحثين الإنجليزفكرة (بيع) سيناء بواسطة هيئة الأمم المتحدة..وتضمّـنتْ الفكرة أنْ تتحوّل سيناء إلى (قاعدة دائمة لقوات حفظ السلام الدولية..وتتجمّـع فيها الاستثمارات للتنمية) ولم تتوقف محاولات انتزاع سيناء من مصرحيث كشفتْ الوثائق، أنّ بريطانيا درستْ اقتراحـًـا باقتطاع مساحة من سيناء..وجزء من قطاع غزة لإنشاء منطقة تــُـديرها الأمم المتحدة بعمق نحو8كيلومترات فى سيناء..وتمتد من ميناء غزة بين حدود ومصرإلى حدود إسرائيل والأردن..والهدف هو(توطين نحو600 ألف لاجىء فلسطينى فى سيناء..وهوأفضل من عودتهم إلى فلسطين..وكذلك ربط الأردن بالبحرالأبيض، عن طريق إنشاء خط سكة حديد، يمكــّـن إسرائيل من الوصول إلى البحرالأحمر).
عقيدة الإبعاد الجماعى
وإذا ما وصلنا إلى الكتاب الذى أعده د.محجوب عمربعنوان (الترانسفير: الإبعاد الجماعى فى العقيدة الصهيونية) الصادرعن دارالبيادرللنشر- عام1990، نجده قد رصد فيه تصريحات السياسيين والعسكريين الإسرائيليين الذين يرون أنّ حل مشكلة فلسطين، لن يكون إلاّ بترحيلهم وتوزيعهم على الدول العربية، مثل العراق وليبيا والأردن..إلخ. ونقل عن (إيهود أولمرت) أنّ ((التهديد الديموجرافى (الفلسطينى) يـُـمثل خطورة على جميع أشكال حياتنا)) وقال نائب وزيرالدفاع الإسرائيلى (ميخائل ديكل) أنه ((من أجل ألاّتتحوّل المنطقة إلى برميل بارود، فعن طريق الترانسفيرفحسب يمكن حل المشكلة الفلسطينية)) وبالفعل نجحتْ إسرائيل- خلال حرب67- فى إجلاء أكثرمن ربع مليون فلسطينى إلى الضفة الشرقية للأردن..ودعا شارون- فى ذاك الوقت- الفلسطينيين للانتقال إلى الجانب الآخرمن النهر. ورحـّـب بمساعدتهم على تغييرالنظام الملكى لإقامة دولتهم الخاصة فى الأردن (محجوب عمر- عدة صفحات) واختتم كتابه عن خطورة التوسع الصهيونى بنداء للأنظمة العربية كى تنتبه إلى هذا المشروع الذى تحلم به إسرائيل..
الآن تبدو الصورة واضحة تجاه مايجرى في غزة وهدفه الرئيسى هو أرض سيناء ،وكأن إسرائيل قد غضت الطرف لتترك أحداث يوم 7أكتوبر تجرى لتحاول هي أن تستغلها بالرد وتغيير مجرى الأحداث تجاه ما تريد ـ حقيقة ـ تحقيقه حتى لو دفعت ماتدفعه يوميا من أثمان باهظة من دماء أو اهتزاز سمعة أو تشويه صورتها في أعين الرأي العام العالمى دون الأنظمة الحاكمة المتواطئة مع الحلم الصهيوني لتحقيق الوعد الإنجليزى الثانى لبنى صهيون بعد تحقق وعد بلفور منذ ثلاثة أرباع القرن.