رؤية يكتبها
إبراهيم ربيع
تتكرر أسئلة المحللين والمثقفين وحتي المنجمين عن مايسمونه بالأهداف الغائبة للحملة العسكرية الإسرائيلية علي قطاع غزة..يقولون كل ساعة وعبر وسائل أعلام متنوعة أن الكيان الصهيوني أبدي رد الفعل الأنتقامي من حركة حماس بعد عملية طوفان الأقصي، دون أن يكون لديه أجندة أو هدف واضح من الحملة سوي مايروجه اعلاميا عن القضاء علي حماس.
ثم تنتشر أقوال وكتابات من كل الأطراف ،تبدو مقنعة في ظاهرها لكنها خبيثة في جوهرها..وماهي إلا مجموعة مشاهد في فيلم يروج أن إسرائيل لاتعرف حتي ماذا ستفعل بالقطاع بعد انتهاء الحرب..ويدعمون ذلك بتصريحات متبادلة ومتضاربة في تل أبيب وواشنطن كل منها ينفي الآخر ..فلا يعرف أحد ماذا يمكن أن يحدث في اللحظة القادمة أو الساعة المقبلة أو اليوم التالي..وهو في الحقيقة توزيع أدوار لتشتيت العقل العربي عن فحوي هذه الدراما المميتة التي داهمت الشرق الأوسط وتهدد كل دوله وبالذات المجاورة للكيان الصهيوني.
ومن يقرأ ماوراء الأحداث وحجم التحشيد الإسرائيلي والغربي والأمريكي لابد وأن يساوره كثير من الشك والقلق ..ولابد أن يستعيد بالذاكرة المحاولة ”السلمية” التي أطلقتها كونداليزا رايس وزيرة خارجية أمريكا السابقة لصناعة شرق أوسط جديد..وكانت المحاولة بدون ضجيج الأسلحة ومشاهد الدم والقتل والتخريب، وتراهن فقط علي ماأسموه وقتها ب”الربيع العربي”..بأن يكون رسم الخريطة الجديدة للمنطقة من داخل دولها وبفوضي خلاقة خاصة بكل دولة بعد أن أصبح صعبا تكرار نموذج العراق .
ولم تنجح المحاولة كاملة وإن لم تفشل كلها أيضا ..وكان إفلات مصر منها هو المسمار الذي عطل دوران عجلتها ،رغم خراب سوريا وليبيا واليمن..لأن مصر مهما كانت ظروفها هي في النهاية العنوان الكبير لأي تفاصيل ترتبط بمؤامرة أو تخطيط دولي.
ومبدئيا رغم إجادة تمثيل الأدوار إلا أنه يظل باقيا ولو قدر ضئيل من الشك في ترتيب عملية طوفان الأقصي..فرغم الإقرار بعبقرية التفكير والتخطيط والتنفيذ وفرحة الشارع العربي بهذا الغزو المثير لحدود إسرائيل إلا أن العقل لم يتحمل فكرة أن يمر ذلك علي الحزام الإسرائيلي الناري الذي طوقت به أسرائيل غزة بالأسلحة والقبة الحديدية وتكنولوجيا المراقبة المعقدة..لكن في نفس الوقت لن يفيد الآن التنقيب فيها ومحاولة فهمها لأن المجازر المروعة التي يتعرض لها الفلسطينيون قفزت فوق رفاهية البحث في المجهول..وإن كان قد لفت انتباهنا السرعة الخارقة في حشد الأسلحة والبوارج وحاملات الطائرات لمعاقبة فصيل تحت الأرض لايملك لا أسلحة جوية ولابحرية ولابرية..هذا في حد ذاته كان مؤشرا سهلا لفهم رد الفعل الحقيقي المنتظر، والذي بقراءة بسيطة يقول لنا أن حجم الحشد أكبر وأوسع من استهداف أرض بمساحة ٣٦٠ كم..وأن الهدف الأعظم هو تشكيل خريطة جديدة للشرق الأوسط بوسيلة عسكرية خارجية بديلا لوسيلة سلمية داخلية في الشوارع العربية..
ويضحك علينا المتآمرون ومعهم أيضا المحللون المخدوعون أو العملاء بطرح أفكار للنهايات المطلوبة لقطاع غزة في الوقت الذي مدت إسرائيل يدها أيضا في الضفة الغربية مع تدرج في التحرش مع مصر والأردن ..ويخرج علينا عدد هائل من الخبراء الإستراتيجيين في الحرب والسياسة ليؤكدوا لنا أن إسرائيل تضرب وتنتقم وتذبح وتهجر بدون أن يكون لديها ولالدي أمريكا رؤية لما بعد الحرب.. ربما اوافقهم في أن إسرائيل لاتعرف النهاية ومدفوعة برغبة الإنتقام لآهانتها، لكن هي تنفذ أهدافها في نهاية الأمر بمرونة لاتكشف عن أية نوايا ..وهي تقصد بالفعل أن تظل التوقعات مفتوحة لتكسب ماتستطيع كسبه دون إلتزام وحسب مجريات الأحداث..بحيث يكون لديها حرية الاختيار حسب الأوضاع الميدانية وتوسع آلتها العسكرية والإعلامية.. فمثلا إذا توفرت لها ظروف مناسبة لتكرار ماتفعله في غزة داخل الضفة الغربية فلا مانع..ولو كانت الظروف مواتية لإجبار مصر علي قبول التهجير القسري للفلسطينيين إلي سيناء فلا مانع ،ولو تهيأ الرأي العام العالمي لفكرة إزاحة أهل الضفة إلي الاردن أيضا فلا مانع..هي تريد بالفعل خريطة جديدة للشرق الأوسط ترسمها وتطورها حسب الأوضاع الميدانية والقبول الدولي..وكل في وقته ..قطعة قطعة..وربما تفكر كذلك ألا تتوقف كثيرا عند القبول الدولي فقد تعودت علي عدم التأثر بانفعالاته وصراخه ومناسداته ..
إذن هذا هو النموذج المختصر بدون تفاصيل لما تريده إسرائيل وماتعلمه أمريكا والغرب ومايتركونه لساحات القتال.